أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

6

نثر الدر في المحاضرات

وخطب فقال : الأمور جارية بأقدار اللّه ، والناس متصرّفون بمشيئة اللّه ؛ وهم بين متسخّط وراض ، وكلّ يجري إلى أجل وكتاب . ويصير إلى ثواب أو عقاب . ألا رب مسرور بنا لا نسرّه ، وخائف ضرنا لا نضرّه . وكان في مجلسه الذي يأذن فيه للناس أربعة أسطر في نواحيه ، أولها : الشّدّة في غير عنف ، واللين في غير ضعف . والثاني : المحسن يجازي بإحسانه ، والمسئ يكافأ بإساءته . والثالث : العطيّات والأرزاق في إبانها وأوقاتها . والرابع : لا احتجاب عن صاحب ثغر ولا طارق ليل . وقال : أحسنوا إلى أهل الخراج ؛ فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا . قدم رجل خصما إلى زياد في حقّ له عليه ، فقال : إن هذا يدلّ بخاصة ذكر أنها له منك . فقال زياد : صدق . وسأخبرك بما ينفعه عندي من مودته إن يكن الحقّ له آخذك به أخذا عنيفا ، وإن يكن الحقّ لك عليه أقضي عليه ثم أقضي عنه . وقال : ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع ، ولكن العاقل الذي يحتال للأمر ألا يقع فيه . قالوا : قدم زياد البصرة واليا لمعاوية والفسق بالبصرة ظاهر فاش فخطب خطبة بتراء لم يحمد اللّه فيها . ويقال : بل قال : الحمد للّه على أفضاله ، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه . اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا . أما بعد : فإن الجاهلية الجهلاء ، والضلالة العمياء والغيّ الموفد لأهله على النار ، ما فيه سفهاؤكم ، ويشتمل عليه حلماؤكم ، من الأمور العظام ، ينبت فيها الصغير ، ولا يتحاشى منها الكبير . كأنّكم لم تقرءوا كتاب اللّه ، ولم تسمعوا ما أعد اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته ، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمديّ الذي لا يزول . أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا ، وسدت مسامعه الشهوات ، واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه : من ترككم الضعيف يقهر ، ويؤخذ ماله ، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر ، والعدد غير قليل .